1-الإستحواذ الفكرى
السلوك الإدمانى عادة ما يكون قهريا ومستهلكا إلى حد بعيد.والإنسان عندما يدمن شيئا من الأشياء (أو شخصا من الأشخاص) لا يستطيع أن يمتنع عن التفكير فيه و لا يمكن أن يتوقف عن التخطيط من أجل الحصول على ذلك الشىء أو لقاء ذلك الشخص. والمدمن عندما يوشك على القيام بالنشاط موضوع إدمانه يعتريه إحساس بالقلق والإنفعال لا ينتهى إلا بعد أن يصل إلى ما يريد .وإذا ما حيل بين المدمن و بين تعاطى ما يريد ،فإن ذلك يحتمل أن يصيبه بالإحباط ويسيطر عليه الفزع و الرعب . وخلاصة القول : إن الإستحواذ الفكرى لدى المدمن يستنفذ قدرا كبيرا من وقته و جهده وإنتباهه.
والإنسان عندما يصاب بالإدمان يحمى كمية المخدر اللازمة لتعاطيه مهما كلفه الأمر.
أمثلة على الإستحواذ الفكرى للمدمن:-
– هذا هو ريتشارد مدمن قمار ، يستعيد ذكريات ذلك الحافز القهرى الذى كان يدفعه إلى المقامرة ، حدث ذات مرة أن جرحت زوجتى يدها عندما كانت تغسل الأطباق ، وسال الدم فى كل أنحاء المكان نظرا لأن الجرح كان كبيرا وكان ذلك يستلزم ذهاب زوجتى إلى المستشفى . وفى ذلك الوقت كانت تتملكنى نوبة الإدمان وطلبت من جارى أن يأخذها إلى طوارىء المستشفى متعللا بأن سيارتى لا يدور محركها . وبعد أن غادرا المكان ، سارعت إلى الذهاب إلى مكان السباق و المراهنات.
يصف الناس الحافز القهرى الذى يتسلط على المدمن بأنه ” أمر داخلى ” أى أن المدمن يكون مدفوعا إلى تنفيذ ذلك الأمر بغض النظر عن أى إعتبار من الإعتبارات العقلانية .
– هذا هو ديبى مدمن الإنفاق ، كنت أشعر أنى مضطر ومجبر تماما على الإنفاق وذلك بغض النظر عن مواردى الحقيقية . كل ما فى الأمر أننى كنت أحجب الحقيقة و أتغاضى عنها ، وأتجه إلى البنك مباشرة ، وأضع بطاقة ائتمانى فى خلال جهاز الصرف.
– هذا هو جيرى مدمن الجنس ، يصف لنا كيف تحولت حالاته النفسية إلى رغبات قاهرة وملحة : ” كنت أحس أن تلك الرغبة الملحة ضرورة ، الأمر لم يكن يتطلب منى أى قدر من التفكير كى أقف عليه وأعيه . أحيانا أكون فى أسفل درب الإكتئاب ، والشىء الذى يدل على ذلك مباشرة هو أننى كنت أدرك أننى أحاول العثور لنفسى على مخرج من الإكتئاب ، وأن ذلك المخرج لن ياتى إلا عن طريق ذلك الطقس من طقوس إدمانى “.

2-النتائج السلبية
بفرض أنك تعصر كأسا من عصير البرتقال الطازج كل يوم ، فإن حلاوة ذلك المذاق قد تروق لك وسرعان ما تتحول هذه العملية إلى عادة ، هذا يعنى أنك إذا لم تتناول ذلك الكأس من عصير البرتقال فإنك سوف تشعر أنك ينقصك شيئا ما وبالتالى يدفعك ذلك إلى تأمين كميه مناسبة من البرتقال تحسبا لليوم التالى .هل يمكن أن يكون مثل هذا العمل إدمانا ؟ هذا ليس إدمان على الإطلاق ، هذه مجرد عادة ليس إلا ، نمط من أنماط السلوك التكرارى الذى تستقى منه شيئا من المنفعة – دون ان ترتبط على ذلك أية نتائج سلبية.
الذى يجعل الإدمان ادمانا ، يبدأ المدمن بالحصول على شيئا من المنفعة الظاهريه ، كما لو كان المدمن يتعامل مع عادة من العادات . ولكن أجلا او عاجلا تبدأ نتائج ذلك السلوك السلبية تؤثر على حياة الإنسان – ومع ذلك يواصل ذلك الإنسان ممارسه ذلك السلوك . وإذا كان السلوك الإدمانى يحقق على المدى القصير شيئا من اللذة و الإرتياح و بعض المنافع الأخرى فهو على المدى الطويل يسبب الألم و الحزن و المزيد من المشكلات .

نتائج الإدمان السلبية تؤثر على جوانب كثيرة من حياة الإنسان بما فى ذلك :-
–العلاقات : المدمن يستقطع من الوقت المخصص لأسرته ، ولأصدقائه شيئا من الوقت كى يستطيع تعاطى المخدر أو التعافى أو الشفاء منه ، يضاف ألى ذلك ، قطع التواصل نظرا لإنسحاب المدمن وإغترابه العاطفى فى محاوله منه للقضاء على جميع المحاولات التى تستهدف التدخل فى ما يتعاطاه ذلك المدمن أو المدمنة ومن هنا يزداد إنعدام الثقة – و هذا بدوره يخلق جوا لا يساعد على نمو العلاقات و الغربة و العزلة .
العمل : الشخص المدمن قد يستقطع من الوقت المخصص للعمل شيئا من الوقت لنفسه ( كما يتعاطى المخدر أو الشفاء منه ) ، و يترتب على ذلك تأخر المدمن عن العمل ، تغيبه عن العمل ، نقص إنتاجيته ، ونقص جودة العمل الذى يؤديه ، و التوتر والشجار مع رفاقه فى العمل ، وعدم الحصول على الترقية و ضياع العمل أو الوظيفة نفسها فى بعض الأحيان .
التمويلات : إستخدام النقود فى إشباع السلوك الإدمانى مثل تعاطى المخدرات ، والمراهنات ، والجنس ، والتسوق لا يترك للإنفاق على الأمور الأخرى سوى القليل جدا من المال . إن إنفاق المال فى إشباع السلوك الإدمانى يستنفذ كل المدخرات ويوقع صاحبه فى الدين و يجعله يتعثر فى دفع فواتيره .
الصحة النفسية : يعانى المدمنون فى كثير من الأحيان من مجموعة كبيرة من الآثار النفسية ، بما فى ذلك الحالات النفسية السلبية ، وسرعة الغضب ، واللجوء دوما إلى الدفاع ، وفقدان إحترام النفس و ضياع الثقة ، كما يعانى أيضا من إحساس الذنب و العار ( برغم أنه قد يخفى تلك الأحاسيس ) .
فإن ثقة المدمن بنفسه وإحترامه لذاته تتدنى بسبب المشكلات التى تتراكم عليه فى العمل وفى المنزل وبسبب المشكلات المالية أيضا . ونظرا لأن المدمن لا يتسطيع السيطرة على تلك المشكلات فإنه تتولد لديه مشاعر الإحساس بالفشل . ويتولد لديه الإكتئاب أيضا واليأس . وتتحول العملية برمتها إلى عملية دوارة : بمعنى أن هذه المشاعر تزيد رغبة المدمن فى تعاطى المخدر مرات و مرات – إبتغاء للهرب من الألم والمعاناة .
التميز والسلوك : المدمن يأتى تصرفات لا يفعلها الناس عادة ، والسبب فى ذلك أن مسألة الحصول على المخدر و تعاطيه تصبح أهم من كل الأشياء والامور الأخرى . ونتيجة إلى ذلك ، ينظر الناس إلى المدمنين باعتبارهم ” أنانين ولا يحبون إلا أنفسهم “
وأنهم لا يهتمون بأى أحد سوى أنفسهم وإذا كان ذلك يصدق من الناحية الظاهرية ، فنحن لا نعتبره تفسيرا صحيحا لسلوك المدمن ، نظرا لأن ذلك السلوك يحركه اليأس أكثر من الإهمال المقصود .
الصحة البدنية : إدمان تعاطى المخدرات يؤدى إلى إهمال المدمن لبدنه وصحته البدنية ، زيادة التوتر و تراكمه ، فإن ذلك قد يؤدى إلى ظهور مجموعة متباينة من الأعراض البدنية ، بما فى ذلك فقدان الشهية للطعام ، والقرح ، وإرتفاع ضغط الدم ، وقلة النوم والإرهاق . أو تناول الطعام وتقيؤه ، أو الإفراط فى تناول الطعام أو إدمان ممارسة التدريبات البدنية . يضاف إلى ذلك أن مدمنى المخدرات والمشروبات الكحولية معرضون لأمراض بعينها وذلك بسبب التأثيرات الكيماوية المحددة للمخدرات أو المشروبات التى يتعاطاها أولئك المدمنون .

3-فقدان السيطرة
بالرغم كل هذه النتائج السلبية ،لا يقوى الإنسان إذ ما كان مدمنا ، على السيطرة على سلوكه الإدمانى أو وقف ذلك السلوك – وما إن يبدأ التعاطى بالرغم من كل النوايا الطيبة والوعود التى قد يقطعها المدمن على نفسه أو يعطيها للآخرين . والعلامة المميزة للسلوك الإدمانى تتمثل فى أن المدمن عندما يحاول السيطرة على ذلك والتحكم فيه ، يجد أن قوة الإرادة لا تكفى .
ومدمن الإنفاق سواء أكان رجلا أم امرأة ، ما إن يجد نفسه فى مركز من المراكز التجارية قد لا يقوى على التحكم فى سلوكه الإنفاقى وكذلك مدمن القمار ما إن يضع الرهان الأول ، يصعب عليه التحكم فى قيمة الرهان ، أيضا لمدمن المشروبات الكحولية بعد أن يتعاطه كأسه الاولى ، يجد نفسه يأتى على القارورة كلها .
ومع ذلك ، تصبح فكرة السيطرة على النفس مشوشة والسبب فى ذلك أن بعض المدمنين يستطيعون السيطرة على أنفسهم إلى حد ما خلال فترات زمنية قد تطول أو تقصر وهذا هو ما يدعم الوهم الذى يساورهم ويظنون بمقتضاه أنهم ليسوا مدمنين ، وقد يكون ذلك شكلا من أشكال الإنكار مرتديا ثياب الإنتظام والسيطرة .
ومريض الإدمان إذا لم يتم شفاؤه ، فى كل الاحوال داخليا من مرض الإدمان فإن مسألة عودته إلى المخدر – أو مادة الإدمان أيا كانت – أمر حتمى لا مفر منه .

4-الإنكار
عندما تبدأ المشكلات فى التراكم على المدمنين فى العمل و فى المنزل – بل و فى كل مكان فى واقع الأمر – بسبب الإدمان وإهمالهم لمشكلاتهم القائمة ،فإن المدمنين يبدأون بإنكار أمرين إنكارا تاما . وأول هذين الامرين هو ان المخدر الذى يتعاطونه أو النشاط الذى يمارسونه لا يشكلان مشكلة يستعصى عليهم التحكم فيها أو السيطرة عليها .
وثانى هذين الأمرين ، أن النتائج السلبية التى طرأت على حيواتهم لا علاقة لها بالمخدر الذى يتعاطونه أو النشاط الذى يمارسونه من قريب أو بعيد .

الإنكار له أشكال كثيرة :-
الإنكار الكامل : لا أنا ليست لدى مشكلة على الإطلاق.
التقليل من أمر الموضوع : الامر ليس سيئا إلى هذا الحد.
تجنب الموضوع برمته : تجاهل الموضوع – رفض مناقشة الموضوع – إبعاد الآخرين عن الموضوع.
الإلقاء باللوم على الآخرين : صحيح أننى اتعاطى المخدر ولكن من ذا الذى لن يتعاطاه إذا كانت لديه زوجة مثل زوجتى أو رئيس مثل رئيسى فى العمل او أولاد مثل اولادى .
إضفاء الطابع المنطقى على الموضوع وإعمال الذهن فيه : حالى ليس سيئا مثل حال هذا الشخص ، فالمخدر الذى أتعاطاه لا يسبب الإدمان بأى حال من الأحوال .
والمدمنون يلومون الآخر ويلومون الظروف أيضا على المشكلات التى تظهر فى حيواتهم : فهذا الرئيس فى العمل يجعل حياة المدمن لا تطاق ، وذلك الزوج عاق وغير مخلص ، وتلك الزوجة ملحاحة لا تتوقف عن السؤال ، وهذا هو ضيق اليد وقلة المال .. إلخ .. إلخ ، والفكرة التى تراود المدمن هى أنه إذا ما تعاون معه الآخر وإنصلح حال الظروف ، فإن حياته سوف تستقيم .
من هنا يعد الإنكار عملية فكرية خادعة ، ينكر المدمن خلالها إدمانه ونتائجه السلبية ، وبذلك يقطع المدمن صلته بالواقع ويكون بعيدا عنه .
ويصل الإنكار حدا يشكل معه إنقطاعا حقيقيا عن الواقع ، والنقطة الرئيسية هنا تتمثل فى أن المدمنين لا يحاولون مجرد إستمالة الغير و التغلب على الجميع . والمدمنون عندما يدخلون فى عملية الإنكار ، يظنون فى واقع الأمر أنهم يقولون الحق. هذا يعنى أن المدمنين يبعدون عن وعيهم الحقائق التى يمكن أن تشير إلى أى شىء آخر غير الذى يريدونه . معنى ذلك أيضا أن المدمن يقول لنفسه ” إذا كانت الحقيقة مؤلمة ، فأنا لا أريد أن أرى الحقيقة أو أعيها . من هنا سأغلق عينى عن تلك الحقيقة ، وسوف تغرب عنى “
وإنكار المدمن يمكن أن يتسبب فى غضب أو جنون ذلك الشخص الذى يتحتم عليه أن يتعامل مع المدمن ويتفاعل معه ، بغض النظر عن كون ذلك الشخص زوجة ، أو ابنا أو أبا أو أما أو زميل عمل أو صديقا . نحن إذا لم نكن على علم بأن الإنكار عرض من أعراض الإدمان وأنه يمارس ضغطا لا إراديا قويا على المدمن ، فإنه ذلك يمكن أن يصيبنا بالحيرة والإرتباك.
وظيفة الإنكار الرئيسية عند المدمن تتمثل فى إبعاد كل ما يمكن أن يعترض أو يقف فى طريق تعاطيه المخدر.



